الجاحظ
231
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن اللّه غفور رحيم : فقال أعرابي لا يكون . قال : ودخل على المهدي صالح بن عبد الجليل ، فسأله أن يأذن له في الكلام ، فقال : تكلم . فقال : إنا لما سهل علينا ما توعّر على غيرنا من الوصول إليك قمنا مقام الأداء عنهم وعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، بإظهار ما في أعناقنا من فريضة الأمر والنهي ، عند انقطاع عذر الكتمان في التقية ، ولا سيما حين اتسمت بميسم التواضع ، ووعدت اللّه وحملة كتابه إيثار الحقّ على ما سواه . فجمعنا وإياك مشهد من مشاهد التمحيص ، ليتم مؤدبنا على موعود الأداء عنهم ، وقابلنا على موعود القبول ، أو يردنا تمحيص اللّه إيانا في اختلاف السر والعلانية ، ويحلينا تحلية الكاذبين ، فقد كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقولون : من حجب اللّه عنه العلم عذّبه على الجهل ، وأشد منه عذابا من أقبل عليه العلم وأدبر عنه . ومن أهدى اللّه إليه علما فلم يعمل فقد رغب عن هدية اللّه وقصر بها . فاقبل ما أهدى اللّه إليك على ألسنتنا قبول تحقيق وعمل لا قبولا فيه سمعة ورياء ، فإنه لا يعدمك منا إعلام بما تجهل ، أو مواطأة على ما تعلم ، أو تذكير لك من غفلة . فقد وطن اللّه جل وعز ، نبيه عليه السلام على نزولها تغزية عما فات ، وتحصينا من التمادي ، ودلالة على المخرج ، فقال : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . فأطلع اللّه على قلبك بما ينوّر به القلوب ، من إيثار الحق ومنابذة الأهواء ، فإنك إن لم تفعل ذلك ير أثرك وأثر اللّه عليك فيه . ولا حول ولا قوة إلا باللّه . قال : ودخل رجل على معاوية ، وقد سقطت أسنانه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الأعضاء يرث بعضها بعضا . فالحمد للّه الذي جعلك وارثها ولم يجعلها وارثتك . وحدثنا إسماعيل بن عليّة قال : حدثنا زياد بن أبي حسان ، أنه شهد عمر ابن عبد العزيز رحمه اللّه حين دفن ابنه عبد الملك ، فلما سوي عليه قبره